قصة طغمات الشيطان بقلم الكاتب اندرو شريف

 قصة طغمات الشيطان بقلم الكاتب اندرو شريف


في ليلة بائسة .. وجدت نفسي داخل جدران لوكاندة، لكنني علمت حينها انني داخل فك أسد مُفترس، وحش، كيان مُظلم من الجحيم، سيلتهمني إن قررت الخروج قبل معرفة الحقيقة المدفونة داخل جدران تلك اللوكاندة، فذلك الحديث لا يأتي بجدوى، فقد اتخذت قراري.. 


قصة طغمات الشيطان بقلم الكاتب اندرو شريف




طول عمري انسان مُهمل، منطوي، كسول، وده خلى أبويا يكرهني.. ويكرهني جدًا كمان، كان دايمًا يقولي:


- هو انت هتفضل قاعد لي في البيت كده يا ماجد لا شغلة ولا مشغلة..  انا مش مخلف بت ومستني يجيلها عدلها.. هتفضل كده بتطفح من مالي، امك اللي كانت مدلعاك ماتت خلاص.. ولو فاكر اني هفضل قاعد لك فأنت غلطان، أنا هتجوز سماح تخدمني، وانت مش هتطول مني قرش في يوم من الايام.


بعد الكلام ده سيبتلوا البيت، اصل ابويا كبر وخرف، عايز يتجوز الشغالة اللي امي حاولت تطردها زمان.. اتاريها كانت عارفه اللي فيها وساكته لغاية ما ماتت بحصرتها، ده كله بسبب بخل أبويا، ده غير الشغل اللي كنت بنزلوا كل مره وبتطرد منه بسبب ابويا اللي بيجي يعمل فيه مشكلة. اتجنن بقى، خرف، الحقيقة انا زهقت من حياتي، راعيت مرضه سنين وهو فاهم إنه بكده خيره عليا، بمُجرد إني لسه عايش في بيته!!


ماكنش قدامي وقتها غير عبده صاحبي، هو الوحيد اللي كان هيتاويني عنده يومين لغاية ما أنزل شغلي الجديد اول الشهر، واهو هتبرى منه زي ماتبرى مني، خلي الشغالة تنفعه بقى.. 


وقتها عبده معرفش يقعدني عنده في البيت، لكنه قرر يقعدني معاه في اللوكاندة.. واللوكاندة دي اللي هشتغل فيها من اول الشهر لغاية ما محمود اللي شغال في الريسيبشن يتوكل على الله.. اصلها لوكاندة صغيرة في وسط البلد، ودلوقتي مش كتير اللي بيقعد فيها، فمش مُربحة لدرجة انه يشغل اتنين.. 


المهم عبده عشان ميسبنيش في الشارع اداني اوضة من الأوض اللي بيقعد فيها الشغالين، وافقت.. اصل انا هعوز ايه اكتر من سرير.. ده كتر خيره أوي، لكن كلام عبده ماكنش يطمن لما قال:


-لو سمعت اي صوت،  حسيت بأي حركة.. الزم سريرك، وشوفلك اي سكن تاني اول ما تبتدي شغل، وانا يومين وهجبلك مرتبك مقدم عشان تتصرف في مكان تسكن فيه، انا ابويا مسافر ولو عرف اني سيبتلك الأوضة دي ممكن يموتني، بس أنا بردو مارضاش صاحبي يبات في الشارع.. انت فاهمني يا ماجد.


-يا جدع فاهم، هيكون في الاوضة ايه يعني.


-مش عارف، ومش عايز اعرف... هي لوكاندة تعبانة لوحدها والشغل فيها بيزق، لولا الكام اجنبي اللي بيجولنا في الشهر والرحلات اللي بنعملهلم، مش هنعيش... أنت عارف ده كويس، أنا اساسا مستني يجيلي انترڤيو في بنك زي مانا عايز وهسيبها خالص.


-خلاص يا عم عبده، عرفنا يا صاحبي مش هتفضل تكررها كتير.. أنا جي اشتغل مش جي افتح في قديم.


-انا ماشي، ماتنساش اللي قلتهولك.... بالله عليك ماتعملي مشكلة.


-اوصلك للباب ولا ايه يا حبيبي، خلاص عرفت والله... انا عايز انام بقى وبكره الصبح هحكيلك طلعلي كام عفريت.


كان باصص ليا بنظرة قلق وبلع ريقه وهو في طريقة لباب الأوضة، بعدها خد الباب وراه.. وقتها سمعت صوت تكة القفل وهي بتتعمل مرتين.. عبده كان بيقفل عليا الباب، الصراحه ماهمنيش.. بس فضولي كان هيقتلني، ليه كل ده، واشمعنى الأوضة دي بالذات.. خرافات زي ما بيقولوا وبيتوارثوها، ولا الموضوع أكبر من كده؟.. الصراحه ده التفسير المنطقي الوحيد اللي لقيته .. 


لكني ماشغلتش بالي اوي، انا فتحت شنطة السفر اللي فيها هدومي.. وبدأت ارتب الحاجه في الدولاب اللي قصادي، والحقيقة هما ماكنوش كتير يعني.. يدوبك كام طقم كده عشان اعرف اعيش بيهم لغاية ما يبقى ليا مرتب.. المرتب اللي مش عارف هعمل بي ايه ولا ايه الحقيقة لما اخده، الغريب اني لقيت كتاب جوه الشنطة.. كتاب انا متأكد اني محطتهوش بايدي جوه الشنطة، واكيد بردو ابويا ماحطهوش .. وقتها كان في سبب يشغل تفكيري أكتر من موضوع الكتاب، وهو اسم الكتاب ذات نفسه... لأن الكتاب كان اسمه "لوكاندة الشيطان" فتحت اول صفحات في الكتاب لقيتوا مكتوب بخط الإيد.. أكن شخص بيحكي مذكراته، يمكن دي اصلا مذكرات شخص ما وأنا مش عارف، في الحقيقة الفضول خادني، وبدأت بالفعل أقرأ في اللي مكتوب.. واللي كان كالتالي:


-أنا بشرى ممدوح، انسان طموح، بسيط.. باحث في ما وراء الطبيعة.. لكني وبعد مده مش صغيرة أكتشفت إن في مجالات تانية أهم كتير من ما وراء الطبيعة.. لكن المجالات دي، أو الأختصاص ده بالتحديد فأنا وافقت عليه، حبيته زي مابيقولوا.. ولكل مجال مخاطر، والخطر الأول هو التطفل لمعرفة الحقيقة، لكني موافق جدًا على الموضوع ده، وعشان كده هتيح الاختيار.. 


بعدها الحبر بتاع الورق اتغير، لدرجة ان الورقة اللي كان مكتوب عليها الكلام ده كله بقت فاضية، ماكنش موجود فيها غير سؤال واجابة اختيارية من نعم او لا، والسؤال كان.. هل تريد المغامرة لمعرفة حقيقة أؤكد لك أنها سبب وجيه لهلاكك؟


من البديهي كنت هقول لا، اصل مفيش حد عاقل  هيقبل انه يموت... لكني بكل سذاجة نطقت بصوت عالي وقُلت:


-هيحصل ايه يعني لو قلت نعم.. ده ورق في حبر.


الحبر ساعتها اتغير وبدأ الكلام اللي مكتوب يتحول لجملة واحده مش هنساها "قد تم اختيارك" 


بعدها الكتاب بقى فاضي، مفيهوش أي حاجه، فضلت أقلب في الصفحات لقيتها فاضية تمامًا، رميت الكتاب على السرير وقمت عشان أغير هدومي، اصل اللي بيحصل ده أكيد جنون، لكن الصدمة هنا كانت موجودة لما لقيت نظام الأوضة اتغير تمامًا، لدرجة إن بقى فيه مكتب في الأوضة بالرغم من انه ماكنش موجود، حتى الشماعة اتغيرت وكان متعلق عليها  لبس قديم جدًا، حاجه من أيام احتلال الإنجليز مثلا، وفي وسط ده كله لقيت الباب بيخبط.. بعدها لقيت واحد قام من على السرير، كان لابس وقتها بيچامة وواضح عليه انه في العشرينات من عمره، عدى من جنبي أكنه مش شايفني وفتح الباب، بعدها دخل راجل كبير في السن وكان واضح عليه الغنى.. بعدها بدأ يتكلم الراجل ده ويقول:



-ايه يا بشرى، مالك.. متضايق انك هتشتغل زي الخدامين في لوكاندة أبوك.. ولا أنت متضايق عشان قعدت في أوضة قذرة زي دي.. احمد ربك اني خليتك تقعد في الأوضة شوية.. بس من هنا ورايح انت مش ابني، انت خادم.. خادم زي أي واحد هنا.


في الحقيقة بشرى ماكنش عنده أي ردة فعل، بالعكس كان مُبتسم وبيقول:


-وأنا مش عايز منك أكتر من كده، عاملني زي أي خادم في اللوكاندة.


اتغيرت ملامح الراجل الكبير وهو بيقول:


-غبي، وهتفضل طول عمرك غبي... خليك هنا في الأوضة لغاية ماتعفن ومفيش حد هيسأل فيك.


بعدها دخل شاب  تاني الأوضة، وكان واضح من ملامحة الغرور وهو بيقول:


-حسين باشا، عايزينك فوق.. في وفد جديد وصل.


لقيت حسين بص لبشرى، بعدها شاور للشاب اللي بره وقال:


-انا مخلفتش غير بدر، شايف أخوك مهتم ازاي بملك ابوه، مش زيك مُهمل.. امك دلعت فيك لغاية ما طلعت زيها، حساس المشاعر.


بعدها شاور على الباب وقال:


-انا هطلع من الباب ده، ومش هعتبه تاني... أنت فاهم؟


رد بشرى بكل برود وقال:


-فاهم.


مع لحظة رزع حسين باشا الباب، ملامح بشرى اتغيرت.. اتحولت ملامح البرود بتاعته لملامح غضب، كان زي التور.. لكن من الواضح ان القصة مانتهتش هنا... ده لما شُفته بيقلب في ورق قديم، لكن مع التركيز اكتشفت انه بيقلب في الكتب بتاعته، وفي لحظة وقف تقليب، عينه كانت بتلمع، الابتسامة ماكنتش مفارقة وشة وهو بيقول جملة واحده:


-اهلا بك ابليس.


بالفعل بدأ يظهر ظل ورا بشرى وهو باصص للكتاب، ظل أسود طويل مش باين منه شيء إلا عينه الحمراء وابتسامته الظاهرة نسبيًا، بدأت أتراجع لورا عشان اطلع من الأوضة، لكن الباب كان اختفى.. فين وازاي مش عارف، بشرى لف وشه ليا، وشه كانت محترق تمامًا، عبارة عن جمرة من النار، من الرعب كنت واقف مش بتحرك، رجلي اتخشبت في مكانها... ده كان داعي أكتر ان بشرى يبادر بالكلام ويقول بصوت غليظ بشع:


-ايه مستغرب ليه؟... مش انت اللي كنت عايز تكمل؟


سكوت تام، ماكنتش بنطق كلمة واحده من الخوف اللي كنت فيه، لكنه صرخ في وشي وقال:


-انطق.


رديت بنبرة خوف، وكلام مش مترتب أكن لساني اتشل:


-معرفش، انا ماكنتش اقصد نعم... انا ماكنتش موافق... معرفش اني بكده هوافق، ارجوك سيبني.


-مفيش حاجه بتيجي صدفة يا ماجد، انت وافقت.. يبقى هتكمل في طريق مافيهوش رجوع.


نزلت على ركبتي من تعب اعصابي وانا بقول:


-أرجوك سيبني، انا مش عايز اكمل، مش عايز اعرف الحقيقة.. انا عايز اشتغل مش اكتر.


لكن من الواضح اني قلت كلام غلط، او ماكنش ينفع يتقال بمعنى أصح، ده لما لقيت جمرة الفحم اللي في راسه بدأت تتحول لجمرة من النار، ملامحة المشوشة كانت غاضبة تمامًا، في لحظة النار اللي طالعة منه دي كانت اخترقتني، بدأت أحس إني مشوش تمامًا، المكان اتبدل، لقيت نفسي في اوضة.. اوضة عمري ما نسيتها ولا هنساها ، اوضتي في بيتي القديم.. وقتها سمعت نفس الصوت اللي كنت بسمعه كل ليلة أمي كانت بتبات فيها عند خالتي لمرضها، كنت بسمع صوت ابويا وهو بيتلاعب مع الشغالة في منتصف الليل، كان فاكر انه عادي، بس ميعرفش ان اللي بيعمله ده هيبقى سبب في موت أمي بجلطة لما تعرف بخيانة ابويا ليها، شوفت وقتها نظرات امي وهي بتفتح باب الشقة والدموع في عنيها بسبب وفاة خالتي، وعدم اهتمام ابويا ليها ولمكالمتها لأنه كان مشغول في حاجه تانية قذرة، لكن مع لحظة فتح امي لباب اوضة النوم والدموع في عينيها.. دموعها نشفت، بؤرة عينها وسعت من الخضة، ريقها نشف وماكنتش قادرة تتنفس وهي شايفة أبويا في وضع مُخل مع الشغالة، بدأت امي تحط ايديها على قلبها وتقع تدريجيًا على الأرض، جريت عليها وانا بعمل اكتر حاجه صح من ساعة ماعرفت اللي بيعمله ابويا وسكت عشان مشاعر امي.. تفيت عليه والدموع في عيني:


-انت اللي قتلتها.. انت السبب في كل اللي بيحصلها.


نقلتها على المستشفى لكن للأسف موتها كان أسرع، انما ابويا كانت جاتلة جلطة أثرت على حركته.. فضلت مده عايش معاه براعية بعد نصيحة من واحد ماكنش عارف بالحقيقة وهو عبده، لكني تعبت، وهو لما بدأ يتعافي قرر يتجوز الشغالة بعد كل اللي حصل.. اقدر أقول دلوقتي إن ابويا نموذج حقير.


المشهد اتغير ورجعت تاني للأوضة في اللوكاندة، كنت نايم على السرير وشايف طيف في أول الأوضة باصصلي، طلب مني أراجع نفسي، وان اللي هيعشني فيه هيعوضني عن سنين فاتت.


وقتها كانت في دمعة نازلة من عيني جواها ألم عيشت معاه سنين، وده كان سبب وجيه إنه لما سألني اكمل ولا لا في اللي بدأناه أوافق.. عارف انها الفرصة الأخيرة اني اتراجع، بس ماكنش قدامي غير الموافقة، لانهم مش هيسيبوني، وانا كده كده مبقاش ليا حاجه ابكي عليها، ده غير اني حسيت بأن ده الأمل الأخير اني أغير حياتي.


بدأت كائنات أو حشرات لونها أحمر شبه الخنفسة تدخل من كل حته في الأوضة بأعداد كبيرة،  تدريجيًا ما بدأوا يطلعوا على السرير ويكملوا بحرق جسمي، اخر حاجه شوفتها وقتها كانت نظرة بشرى ليا أكنه بيقولي أنت اختارت الصح، بعدها غبت عن الوعي.


صحيت مره تانية والباب بيخبط عليا، واللي كان بيخبط عبده من صوته العالي وهو بيقول:


-يابني، يا ماجد.. افتح يابني مش من اول يوم هتتاخر على الشغل. 


قومت من على السرير وجسمي كله كان مكسر، ده غير رجلي اللي مش قادر ادوس عليها، ودماغي اللي حاسس انها هتنفجر لو حد رجها.. جيت أفتح  باب الأوضة، لكن من الواضح انه زهق من الوقفة وافتكر اخيرًا إنه معاه المفتاح، فتح الباب اللي كان بالنسبالي باب الجحيم لما لقيت عبده ابتدى بشريط اخلاقيات عمل وإن ازاي اتأخر على الشغل، وازاي يفضل يخبط عليا ساعة وماردش.. بالرغم ان معداش خمس دقايق، لكني كنت في  عالم موازي ، مش مركز مع اللي بيقولوا، بس كنت بهز في راسي لتفادي الموقف، لغاية ما جات جملة عجبتني، وفي نفس الوقت صدمتني لما قال:


-أنا ابويا اتصل بيا قال انه هيتأخر ومش هيرجع اللوكاندة اليومين دول، فهتفضل قاعد في الأوضة هنا، وهقفل عليك من بره تاني.


ماهتمتش بكلامه اطلاقًا، لأنه ساذج مش عارف انه اللي كان عايزه ميحصلش حصل وأكتر، يمكن عشان هو مش عارف ايه اللي بيحصل في الأوضة... لكن المهم انه حصل، لكني اكتشفت بعدين ان دي بداية لقصة نهايتها اغرب من حكاوي الف ليلة وليلة.


طلعت من اوضتي وطلعت فوق الريسيبشن، بعدها استلمت شغلي، واللي كان عبارة عن مرمطون، ده المسمى الوحيد بالنسبالي لشغلانة بحط واشيل فيها شنط النزلاء، بالرغم من قدرتي على الشغل في الريسيبشن، لكن عبده رفض لغاية ما محمود يسيب الشغل أول الشهر.


بعدها بعشر دقايق جه شخص طلب أوضة في اللوكاندة، من بعدها شاورلي عبده على الشنط بمعنى اني اخدها واطلع، بالفعل خدت الشنط ودخلت الاسانسير من بعدها دخل الزبون، انا من عادتي صراحه مابحبش ابص لوشوش الناس، بالذات لو حاسس ان انا مُحرج، وده اللي كنت حاسس بي بالضبط، لكن لحُسن حظي الأسانسير عطل بينا في النص بين دورين، بعدها نور الاسانسير قطع.. شكلنا كده هنقعد حبه حلوين لأن النور وقتها كان بيقطع مده كبيره، ده غير ان مفيش شبكة جوه الاسانسير، فهنضطر نستنى.. فضلت ساكت وقتها مش بتكلم، لكني حسيت بحاجه بتتسحب وبتلمسني، فقلت:


-حضرتك عايز حاجه؟.. هو شويه والأسانسير هيشتغل.


لكن الحاجه اللي لمستني دي ماكنتش ليها علاقة بأنسان، كان شيء لزج، وطالع من الجسم ده برودة شديدة.. واللي كان بيلمسني ده قطرات ماية، بس قطرات ماية لزجة.. ومن الواضح انها كانت بتنقط من شنطة السفر اللي في ايدي، فالمرادي ماتكلمتش بس، ده لأني بصيت للزبون وانا بقول:


-هو ايه اللي في الشنطة دي حضرتك.


ماكملتش الجملة الحقيقة الا ولقيت الشخص اللي قصادي ده عينه بتنور في الضلمة.. عين بتشبه عيون التماسيح، كان باصص ليا وهو بيقول:


-محفل، في اوضة 2002.


تراجعت كام خطوة لورا، والشنطة اللي في ايدي وقعت مني، وبدأ يخرج منها كائن.. ماكنتش قادر أميز ايه اللي طلع من الشنطة دي، من عيونة حسيت انه تمساح، قرب مني بشكل مبالغ فيه، لدرجة اني كنت شامم ريحة انفاسة، وفي لحظة ما كان هيلتهمني صرخت صرخة عالية، منها النور رجع مره تاني في الاسانسير، وموسيقى الاسانسير الهادية اشتغلت واللي عرفت منها ان الاسانسير اشتغل مره تاني، بعدها وصلت للدور التالت والمطلوب، الزبون اللي معايه أخد الشنطة بتاعته من على الأرض وبدأ يتحرك ناحية باب الأسانسير، بصيت في عينه لقيته هو نفس المسخ اللي كان بيكلمني، لكن بملامح بشرية.. بعدها قالي وهو خارج:


-هستناك في المحفل، أوضة 2002، بعد ما تخلص يومك.


وقتها كان خرج عن رؤيتي، لان الاسانسير بدأ يتقفل تدريجيا، من بعدها نزلت تحت وأنا بفكر في اللي حصل، لغاية ما قررت إني هروح المحفل أشوف ايه اللي هيحصل، لكن قبل ده كله قلت لعبده:


 -هو اوضة 2002 دي ايه نظامها.


كان مركز وقتها في الدفتر اللي في ايده، لكنه ضحك وقال وهو بيقلب بين صفحة والتانية:


-ايه يعني مالها، اوضة زي أي اوضة يا ماجد، انت بتركز مع الزبايين هيقعدوا فين ولا ايه، أبويا مبيحبش كده خد بالك، ولو فضلت على الحال ده هيمشيك، وانا مش هقدر أحوشوا.


احرجت من كلامه اللي كان منطقي، لكن ردي كان منطقي أكتر لما قلت:


-طب يا سيدي وانا هطلع الشنط ازاي من غير ماعرف الزبون رايح اوضة ايه، انت شوفتني دخلت عليه الأوضة لا سمح الله.


لقيته اكتشف خطاء في الدفاتر، فاتعصب وقال:


-مش وقته يا ماجد، مش وقته خالص.. سيبني في المصيبة دي كمان.


سيبته، ماكنتش عايز أدوش دماغة بحاجه، بالعكس.. كملت يوم شغلي في هدوء لحد ما هو جالي وقالي ان يومي خلص، اتاريها كانت إشارة للي هيحصل بعدين، وهو المحفل، ماحدش يتريق عليا، بس انا ماكنتش فاهم يعني ايه محفل، يتلبس له ايه يعني، فخدت بعضي بهدوم الشغل اللي كنت لابسها وطلعت للأوضة، أوضة 2002، بعدها خبطت على الباب خبطتين، لكن محدش رد، خبط تاني بس بس كذه خبطه، لكن بردو محدش رد، ده غير إن كان في هدوء في المكان بشكل مرعب، هدوء كان بيدل ان مفيش حد جوه اصلا، فقلت بصوت عالي:


-شكلها مفيهاش محافل ولا نيله، هيبقى في محفل يعني!


الباب اتفتح.. اتفتح بشكل تلقائي، ماكنش في حد واقف ورا الباب، الأوضة كانت مظلمة، لكني كنت شامم ريحة عطر حلوه، ريحة هاديه، وبصوت ناعم سمعت حد بيطلب مني أدخل، دخلت الأوضة برجلي اليمين، فضلت أبص يمين وشمال لقيت الأوضة اترزعت ورايا، بلعت ريقي وانا بقول من جوايا (خير، خير).. بدأت أنوار باللون الأزرق تشتغل، الأنوار دي كانت سببها مادة لزجة محطوطة على الأرض، المادة دي كانت على شكل حوت.. ده غير إن كل اللي واقفيين حواليين الحوت ده ناس لابسين ملابس تشبه الحيتان بردو، كنت حاسس وقتها إني في منطقة من المناطق تحت الماية، بحيث إني وقتها حسيت بصوت حوت ضخم في المكان، صوت الحوت خلاني أحس إن ودني قربت على الأنفجار، وقعت على الأرض وفضلت أصرخ نتيجة عن الصوت اللي مانقطعش من ساعة ما ابتدى.


وقتها واحد من الأشخاص اللي كانوا واقفين قرب مني وهمس في ودني بلغة غريبة، أكنه بيغرق، لكن صوته كان مؤذي لوداني أكتر من صوت الحوت اللي صوته بدأ يهدى، إنما الضوء اللي كان منور على شكل حوت بدأ يزيد أكتر، من بعدها الرسمه اتغيرت لرسمة تانيه خالص، كانت رسمة بتشبه الأسد، منها بدأ زائير أسد يحل على المكان، والأشخاص اللي كانوا واقفين كلهم عملوا نفس صوت الزائير بطبقة صوت أعلى، ده غير لبسهم اللي اتغير للبس أسد بالضبط.


لكن الشكل اتغير مره تاني واتحول لخنفساء، منها اتبدل لبس اللي واقفين لخنفساء، ولون الأرض بقى موڤ مرعب، ده غير الصوت المخيف اللي كان طالع من المجسم اللي على الأرض، لكن المرعب أكتر كان عيون كل الحاضرين في المكان، كانت عيونهم بتتبدل على حسب شكل المجسم، ده غير وشهم اللي كان مطفي تماما، بمعنى ان ملامحهم مُبهمه، تكاد  تكون تشبه الكائنات الفضائية، أو مزيج منها على ملامح بشريه


قطع تركيزي في وشهم إن الدنيا بدأت تضلم تاني، وبدأت أحس إن حد بيشدني جوه المجسمات اللي كانت موجوده، والغريب إن الحاجات اللزجة اللي كانت على الأرض بتتحرك بعيد عني، بمعنى إنها ماكنتش بتلمسني، بعدها النور اللي في الأوضة اشتغل، كل اللي كانوا في الأوضة غطوا وشهم بالروب اللي كانوا لابسينه، الحقيقة مش عارف اتغير امتى وفين، لكن الأحداث المرعبة اللي كانت بتحصل دي خليتني أتوقع أي حاجه.


بعدها لقيت شخص من اللي واقفين اتقدم خطوتين ناحيتي، رفع وشه للسقف أكن روحه بتطلع، من بعدها بحركه بطيئة لقيته بدأ يبصلي بهدوء وهو مبتسم بالرغم من ملامحة المُبهمة، لكن الابتسامة دي فكرتني بابتسامة حد أعرفه كويس، الابتسامة دي كانت تخص بشرى!!.. واللي أكدلي ده أكتر الشخص ده لما بدأ يتكلم ويقول:


-عجبك المحفل؟.. ده كان مجرد عرض في اوضة مقفولة، تخيل لو العرض ده كان في استاد مثلا.


بسؤال غريب رديت عليه:


-واشمعنى الحيوانات؟

رد وهو مبتسم:


-لأنهم أول الكائنات اللي كانت موجودة على وجه الكرة الأرضية، وعيب أوي لما منعرفش اللغات بتاعتهم، أو حتى نحترمهم، دول هما اللي استقبلونا.


بلعت ريقي وقلت:


-انتم مين؟


رد بملامح شديدة:


-احنا جدودك، احنا الطبيعة، وقريب أوي هتفهم.


بعدها رحب بيا وقال:


-برحب بيك يا ماجد، دي مقابلتنا الأولى، من الأوضة اللي ابتدى فيها كل حاجه، انما المره الجايه هتبقى في المقر، بس أفتكر، موافقتك سبب في تضحيات كتير قدمتها، ولسه هتقدمها، احنا اسلوبنا سهل وبسيط، البشرية خطر، واحنا اللي بنخلص البشرية من الخطر ده.





كنت هنطق واعترض على كلامه المتلغبط، لكنه شاورلي على باب الأوضة، أكنه بيطلب مني أطلع بره، بالفعل أخدت بعضي  ومشيت ناحية الباب، كل اللي كانوا واقفين بصولي بنظرة مرعبة، كنت حاسس انهم مجرد روبوتات، والموضوع كان مرعب بالنسبالي، لكني حسيت إنه يستحق التضحيه.


لما طلعت من الأوضة نزلت الريسيبشن، لقيت عبده اللي واقف وكان متعصب عليا، وانا بصراحه كنت مبتسم، حسيت بطاقة من اللي حصل فوق، خلاني حاسس اني بملك الكون، لكن عصبية عبده عكننت عليا الشعور ده لما لقيته اتعصب عليا وقال:


-انت فين يا زفت انت، عمال اتصل بيك مابتردش، الزفت محمود اللي شغال هنا اختفى، ماجاش النهاردة وانا اللي قاعد مكانه، وبصراحه انا مش قادر أكمل، بنام على نفسي، فاستلم الشغل في الريسيبشن من دلوقتي، انت هتبقى وردية بليل.
بعدها طلع فلوس من جيبة ومد إيده وهو بيقول:


-خد دي فلوس الشهر مقدم، من بكره شوفلك أوضة جديدة تبات فيها، عشان ابويا هيجي بكره، ومش ناقصة مشاكل معاه بالله عليك، انت عارف انا مقعدك هنا بالعافية، واللوكاندة مش كبيرة، مافيهاش أوض للعمال كتيره يعني.

حطيت ايدي على دماغي وقلت:


-خلاص يا عبده ده انت صداع، عرفنا يا سيدي ان مفيش زفت أوض، أنا هاخش ألم حاجتي وهمشي من دلوقتي لو عايز.


وقتها جات لعبده، شاورلي اني اسكت خالص دلوقتي، ومن الحركة دي عرفت ان اللي بيتكلم أبوه، لقيته عمال يهز في دماغه ويبص ليا وهو مبتسم، بعدها قفل التليفون وقال:


-يا ابن المحظوظة يا ماجد، ابويا مش هيرجع بكره هيتأخر شويه.

بصيتله بقرف وقلت:

-وايه يعني مش فاهم.

لقيته قلب وشه وقال:

-انت غبي يا ابني، ما كده انت هتقعد في الأوضة حبه كمان، بس على شرط، ابات معاك في الأوضة الليلة دي بالذات، أنا عايز اعرف 
ايه اللي بيحصل جوه الأوضة دي بالذات.

-بالنسبة  للريسيبشن، مين هيفضل واقف فيه؟؟

-لا ما الراجل رد عليا بمسدچ واحنا بنتكلم وهيجي في الطريق دلوقتي، بس مش هاخد منك الفلوس، كده كده هو اخر يوم لي النهاردة، هحاسبه، وانت امسك من بكره بليل.

عدى نص ساعة والراجل وصل، استلم الشغل..  دخلت الاوضة لوحدي في الأول عشان عبده كان بيحاسب الراجل برا، أما أنا فاشيلت الكتاب أو مذكرات بشرى اللي كانت محطوطة على المكتب تحت المخده، بعدها خدت المخده التانية اللي كانت على السرير وحطيتها 
على الكنبة اللي في زاوية الاوضة.


مافيش خمس دقايق إلا ولقيت عبده داخل الأوضة وهو بيقول:

-بسم الله.

ضحكت وقلت:

-في ايه يابني هما قالولك ايه على الأوضة دي؟

-بص أنا مش عارف، أبقى كداب لو قلتلك إني أعرف، بس اللي متأكد منه إنه مش خير، أو خير وعايزين يخفوه عني، بص هو أنا من ساعة ما جيت كنت عايز اقعد معاك، بس قلت أشوف هيحصلك ايه الأول، ولو في نصيب هقعد معاك ليلة، واديها جات، يلا بقى وسع كده عشان هنام على السرير.


قلبت وشي عليه أكني زعلان وقلت:

-سرير ايه يا صاحبي، أنت عشان اللوكاندة بتاعتك هتذلني يعني وتنام على السرير أنت؟!

لقيته اتكسف من طريقتي وقال:


-السرير صغير علينا احنا الاتنين فعلا، خلاص هنام أنا على الكنبة يا عم سهله، المكان مكانك زي ما بيقولوا، ودي حقيقة يعني هاجي اخد سريرك.


-أصيل يا عبده طول عمرك.


 عبده راح قعد على الكنبة، فرش جسمه وريح دماغه، بعدها طلع الموبايل من جيبه وقعد يتكتك عليه كتير، دليل على إنه بيكلم حد مهم ميقدرش يعدي ليلة غير لما يطمنه على نفسه، الشخصية دي كانت فاتن، وفاتن دي تبقى الحب العاشر لعبده اللي يلاقي فيه نفسه، علاقة معقده أنا عارف ومتأكد من ده، لكن للأسف الشات ده مستمرش كتير لغاية ما سمعت اصوات جايه من الكنبة، الأصوات دي اكدتلي إن عبده نام، ده بعد ما تكتكت الموبايل سكتت بعشر دقايق، لكن صوت الرسايل كان لسه شغال، أتاري عبده نام على روحه وهو بيكلم فاتن، وهي زي الهبله عمالة تبعت في رسايل على أمل إن البيه يرد، لكنه بقى في سابع نومه.


أنا بقى فاستغليت الفرصة دي وجبت المذكرات اللي تحت المخده عندي، من بعدها ولعت الأباچورة اللي جنبي، وفضلت أقلب في ورق المذكرات دي على أساس إني هلاقي أي حاجه جديدة، وفعلا لقيت كلام مكتوب جوه المذكرة، تحديدا في الصفحة رقم 18، كان مكتوب (لقد احببناك بالمحفل، نحن ننتظر مجيئك مره أخرى، لكن تلك المرة ستكون بالمقر الرئيسي، فلا تنسى أن العهود قاسية، طريقها بسيط يخص الأغنياء أما نهايتها ستكون الموت لتنضم إلى مجموعتنا المتواضعة.. في النهاية لا تغفل، ولا تكرر ذلك الفعل المشين لتدخل بشري أخر بيننا، فستكون تلك نهايته)



الرسالة كانت غامضة شوية، لكن نهايتها بالنسبالي كانت مرعبة شويه، هو وإن البشري ده يبقى عبده، والنهاية دي هتبقى نهايته!.. رجعت المذكرات تاني تحت المخدة، فضلت باصص لعبده وأنا مش مطمن، ندهت عليه مره واتنين لكن واضح إنه كان في سابع نومه، ده غير الرسايل اللي كانت عماله تتبعتله باستمرار وهو مش بيصحى منها، سيبت عبده وندهت على بشرى على أساس إنه سامعني، لكني حسيت بالجنون وقتها.



في الأخر قلت وايه هيحصل يعني!!.. ماهو نايم وزي الفل، الساعة وقتها كانت 2، يعني كلها كام ساعة والصبح هيطلع، هو هيمشي، وأنا هكمل كل اللي بدأته مع بشرى، لكن الحلو مش بيكمل، حسيت وقتها بسخونة شديده جايه من تحت المخدة، اتبع السخونة ريحة شياط شديدة، جيت أبص على المخدة لقيتها بتنور نور أصفر مميز، و ده كان سببه إن المخدة بتتحرق، والأوضة كلها ابتدت تولع فعلا، أما بقى عبده فشوفت حشرات كتير بتمشي عليه، كانوا جراد، المرعب إني كنت قادر أميز الجراد ده بيقول إيه، بمعنى إني كنت سامعهم وهما بيقولوا لبعض اقتلوا البشري، أما بقى صوت بعض الجراد التاني كان بيحذرني إني لو اتدخلت في النص هيقتلوني أنا كمان، والأوضة هتولع بيا، لكن ده كان صاحبي الوحيد أكيد مش هسيبوا يموت، بالفعل حاولت أتواصل معاهم واقولهم يسيبوا عبده، لكنهم استمروا في أكل جثة عبده وهي حية، وقتها سمعت صرخات عبده بتعلى وهو بيستنجد بيا:


-الحقني يا ماجد، بياكلوا في جتتي يا ماجد بالله عليك إلحقني.


قومت بكل تلقائية وفضلت أحوش في الجراد ده بإيدي، لكنهم هجموا عليا أنا كمان، والنار مسكت في الأوضة فعلا، كنت حاسس اني بختنق، وصوت عبده راح مبقاش طالع، ماكنتش سامع وقتها غير صوت موبايل عبده وهو بيرن، لحسن حظي التليفون كان وقع جنبي وانا بحاول انقذ عبده، فتحت على المتصل واللي كانت فاتن وقتها، فضلت أستنجد بيها من الجراد، طلبت منها تطلب إسعاف وتلحقنا، لكنها قفلت السكة في وشي، أما أنا فكنت فقدت الوعي تدريجيا.


فوقت مره تانية على صوت رنة موبايل عبده، ،منها عبده فاق و رد على التليفون وهو متعصب وحاطط ايده على دماغه وباصصلي، في الحقيقة مش مهم عصبيته دلوقتي، المهم إن عبده طلع عايش بعد ليلة امبارح، واللي منها اتأكدت ان كل اللي حصل ده كان مُجرد حلم وراح لحاله مش أكتر، أما عصبية عبده دي فهعرف دلوقتي ايه سببها، لكني بدأت أفهم سبب العصبية لما لقيته بيقول:



-والله يا فاتن ما حد كلمك، أنا امبارح بليل راحت عليا نومة وأنا بكلمك عشان اليوم كان طويل، معرفش بقى ماجد نيل ايه وانا نايم، أصل ايه اللي هيخليني أموت في اللوكاندة، وجراد ايه ده يا فاتن اللي بتتكلمي عنه، وبعدين تعالي هنا ده أنتي حتي ماكلمتيش الشرطة يا فاتن لو فعلا كنت هموت.



فضلوا على الخناقة دي حبه حلوين لغاية ما عبده قفل السكة وجه اتخانق معايا، لكن مش ده اللي همني.. اللي همني إن كل اللي حصل امبارح ده كان حقيقة، ومعناه إنه كان مُجرد تحذير لحاجات تانيه كتير ممكن تحصل، ومش بعيد يبقى نتيجة الموضوع ده رقبة عبده فعلا، استغليت الفرصة وقتها لما لقيت عبده بدأ يهدى وغيرت الموضوع خالص، واللي منه رفضت إن عبده يدخل الأوضة دي تاني لغاية مامشي منها بعد ما اتأكد إن مفيش حاجه بتحصل فيها، وإن فاتن اعصابها تعبانة بس وبتعمل أي حوار عشان هو مردش عليها امبارح بسرعة، بعدها طلبت منه يطلع يستلم الشيفت بتاعه، أما أنا يسيبني أنام شويه.



بالفعل عبده طلع بره الأوضة، أما أنا فضلت قاعد على السرير باصص للسقف بفكر في كل اللي حصل، ومنه مستني أي إشارة جديدة من بشرى للخطوة الجديدة، الخطوة اللي في الحقيقة أنا مش عارف نهايتها، لكن اللي متأكد منه إنها مش هتبقى نهاية كويسة زي ما قال بس على الأقل هتبقى رحلة تستحق كل اللي هيحصل.



معداش نص ساعة إلا ولقيت المخدة بتسخن، بالتحديد السخونة دي كانت جاية من المذكرات اللي تحت المخدة، فتحت المذكرات وقتها على نفس الصفحة رقم 18، لقيت رسالة مكتوبة (النهاردة الساعة 1، في أوضة ممدوح باشا).



ماكنتش فاهم ايه الرسالة، لأن ممدوح باشا ده يبقى والد عبده، وباشا ده يبقى لقب العيلة، أما بقى أوضة ممدوح باشا دي فمعرفهاش الحقيقة.. لكن هعرفها بليل لما أستلم الشيفت بتاعي، أما دلوقتي فانا هنام ساعتين عشان شكلها كده هتبقى ليلة طويلة حبتين، ويا رب تعدي على خير.



صحيت على الشيفت بتاعي، لبست وطلعت الريسيبشن وأنا في كامل تركيزي، أما بقى عبده فكان مُرهق من اليوم، وده مش من كتر الزباين، لان ده بسبب لعبة بابچ اللي بيلعبها ليل ونهار ومصدع النزلاء بيها، انتهزت فرصة إنه كان بيلعب وقتها ومشغول لما سألته:


-بقولك ايه، هو أبوك بيبات هنا فين؟

-يبات هنا ايه يا ماجد انت كمان، أبويا بيبات في البيت عادي، هو معندوش غير أوضة في الدور اللي تحت الريسيبشن، ودي مقفولة بقفل كبير بس.


غيرت الموضوع وقلت:


-طب قوم امشي، الشيفت بتاعك خلص.. سيبك من اللعبة اللي مصدعنا بيها دي بقى يا أخي.


بدون أي رد شد المفاتيح بتاعته، ومشي.. حتى من غير ما يقولي هعمل ايه، اللعبة تقريبا كانت لحست دماغة، لكن أنا كنت عارف طريقي كويس، أو بمعنى أصح كنت عارف هعمل إيه، هو وإني هنزل الأوضة بتاعة ممدوح باشا، وده بعد ما اتأكدت إن عبده فعلا مشي.



خدت بعضي ونزلت الدور اللي تحت فعلا، ومشيت عكس ما بمشي على طول، وده بديهي يعني لأني مشوفتش أوضة بالمواصفات دي باللوكاندة في نفس الأتجاه اللي كنت بمشي لأوضتي، وفعلا زي ماكنت متوقع لقيت الأوضة.. أوضة كان بابها ضخم، مقفولة بقفل كبير، طلعت الموبايل من جيبي وفتحت الكشاف، بعدها قربت الكشاف من القفل.. القفل كان شكله غريب، كان شكل التمساح بالضبط، 
والغريب إنه مالوش مكان لمفتاح، جيت ألمسه عشان أشوف هكسرها أو هفتحه من أي ناحية، لكن القفل وقتها كان سخن، ايدي بدأت 
تعرق، لكن القفل كان اتفتح، مش بس كده ده الباب كله كان اتفتح لوحده، أكنه باب بالبصمة، وأنا الحرامي اللي حظي حلو إن بصماتي نفعت، لكن بعدين عرفت إني صاحب ملك، وده لما دخلت الأوضة، لقيت سلالم كتير لتحت، نزلتها وأنا مولع الكشاف، لكن أول ما عديت نفس الطريق أو وصلت لنص السلالم بدأت البطارية تعلق، كانت بتعلى وتوطى بجنون، بعدها الموبايل اتحرق.. ده من ريحته اللي طلعت، وده بسبب الضغط اللي كان موجود في المكان، في البداية حسيت اني مش قادر اتنفس، لكن بعدين بدأت اتأقلم، بالذات لما وصلت لأخر السلم ولقيت منظر عمري ما هنساه.



شوفت وقتها اكتر من عشرين شخص واقفين بيستقبلوني وسط احتفالات كبيرة، وعامليين طريق ليا وسط ماية راكده تحتيهم بتنتهي بكرسي كبير مرسوم عليه حيوانات كتيرة وعلى رأسها ست عارية تماما، ده غير مكتبة كبيرة فيها من الكتب ألف موجودة على شمالهم، أما بقى يمينهم فكان منتزه ،مكان ضخم مش هقدر أوصفه لصعوبة تخيل إن المساحة دي تحت اللوكاندة، لكن من الواضح اننا في مكان تحت الأرض بكيلو مترات على اللي أنا شايفه، والأهم من ده كله إنهم كانوا بيشدوني ويجذبوني للكرسي عشان أقعد عليه، واللي كان بيجذبني للكرسي ده كان بشرى، سألته في الأول عن الكرسي وعن الرسومات اللي عليه.. رد عليا بابتسامة:


-كرسي العامر مرسوم عليه كل أنواع الحياة، من اصغر كائن حي، لأكبرهم، لكائنات البشر لسه ما اكتشفوهاش.

-طب والمرأة البارزة في الكرسي.


-مش قلتلك موجود كل الكائنات الحية، لكن ناقصهم كائن واحد، وهو العامر، الذكر.. أعلى انسان في البشر، والشخص ده بقى أنت يا ماجد.


وصلت للكرسي وقتها، قعدت عليه.. حسيت بطاقة مقدرش جسمي يستوعبها، ومن قوة الطاقة دي جسمي انتفض، رفعت راسي للسما، نزلتها مره تاني وأنا شايف بشرى بيجيب كتاب من المكتبة اللي على شمالي، الكتاب ده كان شبيه للمذكرات، وده قبل اكتشافي بأنها مذكرات، بعدها مسك الكتاب ومشي ناحيتي، وبدأ يقول:


-الكتاب ده يبقى تاريخ المنظمة بتاعتنا.


بتلقائية قلت:


-الماسونية!

ضحك بصوت عالي، وضحكاته دي عليت أكتر وأكتر لما قال:


-ماسونية!.. ههه، احنا أكبر من كده، دي منظمات فاسدة، طرقها قديمة، مالهمش سلطة زينا، هما مجرد خدام، إنما احنا المخدومين، احنا اللي نقدر بحركة نغير معالم الطبيعة، والشيطان ضعيف، كل ده بأمر من الله وحده للتجربة، واحنا أحسن ناس تقدر تنفذ التجربة دي.



-انتو السبب في فيروس كورونا؟!


اتعصب وقال:


-انت كده بتهين منظمتي.. منظمتى ماتكنش سبب في حاجات تافهة زي دي، احنا سبب في حاجات تانية، ولولا اننا اجدد مجموعة كنا خلينا مصر في حتة تاني، لكن البداية ماكنتش هنا، البداية كانت في باريس، وهتفهم بعدين في اجتماعاتك، بس افتكر أنت ليك سلطة زيك زيهم، أما دلوقتي فاحنا هنتفرج على فيلم صغير مع بعض.


طرقع بشرى صباعة، بدأت أصوات كتير تعلى من الطبول:


-العامر يملك، العامر يعيش، القديم يموت.


كرروا في جملتهم دي كتير، لغاية ما شاشة من العدم اشتغلت، شفت وقتها ممدوح باشا في مكان غريب، المكان ده ماكنش في مصر، لكن في لحظة كائن متوحش هجم عليه، الكائن ده كان على شكل المستذئبين اللي بنشوفهم في الأفلام، لكن في الأخر المستذئب قدر انه يفترس ممدوح باشا، بقى جثة هامدة قصادنا، اصوات الأحتفالات عليت، بدأت المشروبات تتوزع في كل مكان، كتير منهم كان بيباركلي، لكن بشرى في وسط الاحتفالات دي قال:


-النهاية قربت، استمتع.



في البداية الكلام كان بيرن في ودني، لكن بعد دقايق وانا مندمج في الأحتفالات نسيت كل ده، لغاية ما النوم اتملكني، نمت وصحيت تاني يوم وانا موجود في الريسيبشن، عبده كان بيفوق فيا، فوقت وقتها وأنا بستوعب أنا فين، مكالمة جات لعبده وقتها، وانتهت بأن دموعة نزلت، صرخ فيا وقال بهستيرية كلام متلغبط:


-بيقولولي كائن مفترس هجم على ابويا في باريس وقتله، لازم بكره أجي اتعرف على الجثة، كائن مُفترس ايه اللي في باريس ده يا ماجد، أبويا مات!.. ازاي ابويا يموت!!


فضلت أهدي فيه بالرغم اني عارف الحقيقة، لكني طلبت منه نقفل اللوكاندة اليومين دول، ونخلي الدنيا هادية، بعدها بدأنا نفكر وحجزنا تذكرة لباريس بتاريخ بكره، لأن كل طيارات النهاردة كانت محجوزة، عبده وقتها كان منهار، حاولت أهدي فيه كتير لكنه قفل اللوكاندة وطرد الناس اللي موجودين بكل قلة ذوق، في الحقيقة أنا طاوعته وعملت كده، كنت بطردهم معاه، ويمكن نفس العصبية اللي على وشه كانت على وشي، لكن الحزن اللي في قلبه ماكنش لمس قلبي، ده لأني القتيل، ودي الجنازة.. إنما أنا فكنت ماشي فيها بتهم أي حد موجود على هيئة النزلاء اللي موجودين، وفعلا طردنا كل اللي موجودين في اللوكاندة.



 بعدها خد بعضة وقعد في أوضة من الأوض بتاعة اللوكاندة، أما أنا بقى فخدت بعضي ونزلت الدور اللي تحت الريسيبشن، تحديدا أوضة العامر، أو أوضة ممدوح باشا زي ما بيسموها، دخلت الأوضة بنفس الطريقة بتاعة امبارح، أول حاجه عيني جات عليها هو الكتاب، أخدته وفتحته، بدأت اقرأ في صفحاته الملعونة، واللي كانت بتحكي عن تاريخ الجماعة دي، اللي في الحقيقة مالقتش ليها اسم مناسب، لكن اللي كنت متأكد منه يومها هو إن المنظمة دي مبدأتش من مصر، البداية كانت في دول كتيره، يمكن من قبل اختراع لفظ دوله، وأول رقعة اتأسست عليها المنظمة كانت باريس، فرنسا.. 



عن طريق كتاب ملعون، ناس كتير سموه بكتاب الشيطان، اتطور وبقى لي اشكال كتير، اخرهم شمس المعارف، لكن اللي الناس متعرفهوش إن الكتاب ده عملوا ابن الشيطان. محتويات الكتاب هي  اللي كانت مرعبة، بالذات إنها ماكنتش بتقتصر على السحر، الموضوع أكبر من كده لدرجة إنك بالكتاب ده تقدر تعمل عقد مدى الحياة مع الشيطان، منه تقدر تبقى تحت سيطرته، حتى روحك تبقى تحت ايديه، موتك في ميعاد هو يقدر يحدده، ده بعد عقد انت مضيته بإرادتك، مش دم زي ما كل الناس عارفين، ومش قلبك تحت ايديه، دي روحك رهان انت محطوط فيه، وهو انك تقتل روح تانيه، ومش أي روح، دي روح شيطان تاني انضم لجحيم مركزه الأرض، وهو العامر القديم، والشخص ده هو ممدوح باشا، وانا لسه مالعبتش الرهان، وماقتلتوش، وهو مات، يبقى كده انا لسه مش المختار:


-يعجبني فيك انك نبيه، وممدوح كان كده على فكره، كلهم كانوا كده، ومن هنا قدرت إني اجمعكم، ويا ويلوا اللي يرفض.


الصوت ده كان صوت بشرى، ظهر لأول مره بهيئته ليا بدون المذكرات، ده لأنه اصلا مامتش، وده لأنه واخد حياة ابدية، بيتشكل لكل الأشكال، ده اللي فهمته لما قال:


-بص يا ماجد أنا عارف إن النهاية مُره، وده أنا وضحته قبل كده، لكن روحك هتفضل معانا، حتى ممدوح عارف بده، ومستني اليوم ده، المختلف انه فاكر بإن ابنه المختار، لكن للأسف هي مش توارث، لأن ابنه غبي، مايستحقش انه يبقى العامر للمنظمة بتاعتنا، انما انت فأذكى منه، على الأقل للأدوار والأجتماعات اللي هتحضرها، اجتماعتنا مع كل رؤوس الفروع التانية، واللي احنا اخرهم، بس دي مش صدفة، بالعكس.. دي نقطة في صالحنا، ده لأن الأخير شيطانه كبير، معنى كده ان ابن الشيطان هيتجسد في ثوب واحد مننا، ولأن النهاية قربت، فمش بعيد يبقى أنت، ومن هنا هتبقى بداية النهاية.. طغمات الشيطان هتعلى، صرخات الزناة والقاتلين هتطربنا، حتى أبوك هيبقى أولهم باللي عمله في أمك.


كلامه كان مرعب، لكنه مقنع، بس فين ممدوح، وازاي هقتله وهو ميت، ده سؤال اجابته كانت حاضره لما طلعت من الأوضة على الريسيبشن، سمعت صوت صرخة فرح، الصوت ده كان يخص عبده، لما شاف أبوه داخل من باب اللوكاندة، عرفت وقتها الأجابة، وهو إني لازم أقتل ممدوح، بالرغم إني مامسكتش سكينة قبل كده، ولا حتى عمري قتلت فرخة، لكن هو ده القاتل.. القاتل المحترف بيظهر لما تكون اول جريمة دبح لي.. تبقى دبح الضحية، ودي الطريقة اللي قررت أقتل بيها ممدوح.


أول ما ممدوح دخل وسط احضان من ابنة كان باصص ليا، كان عارف ان انا المختار، وكان باين على وشة الغضب، ده لأن ابنة هيطلع من المولد بلا حمص زي ما بيقولوا، لكن أنا طغمات الشيطان كان ابتدت تندن في ودني، ده لما ممدوح باشا دخل الأوضة اللي تحت، الأوضة اللي ابتدت فيها المنظمة، والأوضة اللي بشرى قتل فيها أبوه وأخوة، واتقتل فيها كل شخصيات العامر، انما قتل أبوه واخوة ليه، فده عشان التمن كان لازم يبقى غالي.



الليل دخل علينا، وأنا من المفترض كنت أقعد للشيفت بتاعي، لكن زي مانتوا عارفين النزلاء كلهم كانوا مشيوا، فعبده قالي أروح أستريح، وأنا ده اللي عملته فعلا، لكن ده قدامه مش أكتر، لأن الخطة كانت بدأت هنا، دخلت المطبخ وخدت سكينة، كنت سامع وقتها طغمات الشيطان بتعلى في ودني، صوت بيقولي إن كل اللي بيحصل ده لصالحي، لغاية ما دخلت الأوضة، ممدوح وقتها كان صاحي، لكنه محاولش يعطلني، بالعكس.. كان بيتكلم وهو مبتسم:


-عينك البيضاء، وجسمك الأسود، وضوافرك اللي طولت، ده غير السكينة اللي اتحولت لجمرة نار في ايدك دي بتدل على حاجه واحده، وهي انك مش العامر، انت الشيطان اللي هيتجسد فيك، انت الأخير واحنا الخدام.



ماكنتش سامع ولا كلمة منه، مش مُنتبه، مبتسم بس.. السكينة اخترقت رقابته، بعدها نام على السرير والدم كان زي النافورة، بدأت الطغمات الهادية اللي كنت سامعها دي تعلى أكتر من أي وقت تاني، يمكن المرة دي كنت سامعها بوضوح، منها بدأت أحس بطاقة رهيبة، اطلقت مني صرخة عالية، عبده دخل عليا الأوضة، كان مبرق ليا، لكنه جري على ابوه لما شافه ميت، ماكنش باصصلي لأنه مرعوب، لكنه حبه لأبوه منعه من الهروب، ونهاية الموضوع كان إنه بقى جثة جنب ممدوح باشا، ومنها بدأت في عملي وهو بداية النهاية، فلما تحس بزلزال حواليك أعرف كويس اني وافقت على حدوثة بعد جلسة كبيرة مع المنظمة، أنما أنا مين.. أنا ابن الشيطان، ومُنفذ خططه، أما ماجد فخلاص، ماجد روح محبوسه، وهتتحرر في اليوم المنتظر، وعشان انا ماخلفتش بوعدي فقتلت أبوه هو والشغالة، وده في حادث عربية مدبر، أما دلوقتي فأنا بركز على الخطة اللي اتوضعت من سنين.


تمت.







إرسال تعليق

أحدث أقدم